كبار المقرئين بين مقام الرواية ومقام الدراية

الإقراء رواية ودراية، لا ينفك أحدهما عن الآخر، والرضى بالرواية دون دراية ضعف في الرواي، وقصور عن الوصول إلى العلم الرصين، والفهم المتين لما يرويه، فالراوي من غير دراية يشكل عليه أي سؤال يطرح عليه، فلا يحري له جواباً ، ثم إن الرواية بلا دراية تحرم القاريء من القدرة على نقد ما يرويه، فيضعف عن التحرير والتحقيق لما أشكل عليه أو على طلابه، وكثيراً ما روى القراء روايات ضعيفة أو موضوعة، وقرؤوا أوجهاً ثبت ضعفها.

عندما تتأمل شأن كبار المقرئين الذين بلغوا مبلغاً عظيماً في إقراء القرآن بالقراءات تجدهم يجمعون بين الأمرين، يجيدون الرواية ويتقنون الدراية، بل إنك تجد أن الدراية تغلب عليهم، وهذا ما يؤكد سبب قوتهم العلمية، ومتانة الرواية لديهم، ذلك أن الدراية تحمي جناب الرواية من الضعف والتساهل، وحينما تتأمل أمر كبار المقرئين تجدهم لا يفرقون بين الرواية والدراية، ولكن الفرق في بداية مجلس العلم، فدرس الدراية يبدأ بشرح المتون والمنظومات وقراءة الكتاب، وتؤدى بعض أوجه الأداء لقراءة وعرض الأوجه رواية، ولكن درس الرواية يبدأ بالقراءة ثم تتخللها الدراية بمناقشة مسائلها وتحريراتها، وكلا المجلسين – مجلس الرواية ومجلس الدراية – تجمعان بين العلم ومناقشة مسائل الخلاف وتحقيقها، والرجوع إلى الكتب واستحضار أقوال العلماء ومذاهبهم، فيتلقى الطالب الرواية مغلفة بغلاف الدراية، وهذا هو الهدف الأسمى من الإقراء ؛ أن يجيد الأداء على علم وهدى وفهم رصين، مستحضراً خلاف القراء واختياراتهم، وشتان بين من يرضى بقليل العلم وهو قادر على أن يدرك قدراً كبيراً منه.

وخلاصة الأمر .. أن الرواية دون وعي أو فهم لمضمونها هي أضعف درجات النقل، فإن الراوي يروي بلا وعي تام، ودون فهم لما ينقله، فما عليه سوى الإبلاغ “بلغوا عني ولو آية”، وهذا في سياق إشاعة القرآن ونشر العلم لعموم الناس، لذا فإن دور الراوي لا يعدو أن يكون نقلاً خاوياً من التحقيق والتمحيص للصواب من الخطأ، وذلك أضعف درجات الضبط والإتقان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الدور المحدود للناقل دون فهم، فلربما سمع نقله من هو أفهم لما يروي ، وأوعى منه لما يقول: “فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع”، “ورب حامل علم إلى من هو أعلم منه”.

عليه فإنه من الضرورة بمكان أن يحرص طالب القراءات على تلقي القراءات رواية ودراية ليدرك متانة العلمة وقوته، ولا يمكن إدراك ذلك بوقت وجيز، أو عدد يسير من مجالس الإقراء، ولكنه بحاجة إلى نفس طويل، وكل طالب سيدرك من العلم والضبط بقدر مع أمضى من الملازمة والقراءة ، ومن رضي بقليل الملازمة لن يدرك من الرواية سوى الشيء القليل .

وهذا ما سيمضي عليه برنامج الإقراء في قابل الأيام ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .

المشرف على برنامج الإقراء الإجازة

د.أحمد بن عبد الله الفريح

جميع الحقوق محفوظة لموقع برنامج الإقراء والإجازة

تصميم وبرمجة شركة كيان الرقمية لحلول الويب